جماليات السرد وشعرية الفضاء المكاني في القصص القرآني

يتناول هذا البحث دراسة استقصائية لجماليات السرد وشعرية الفضاء المكاني في القصص القرآني، منطلقًا من إشكالية مركزية تبحث في الكيفية التي استحال بها “المكان” من مجرد حيز مادي صامت إلى بنية درامية فاعلة تشارك في صياغة المعنى وتوجيه حركة الحدث السردي. يهدف البحث إلى تعرية الخصائص الفنية للنظم القرآني من منظور نقدي يزاوج بين أصالة التراث البلاغي ومستجدات المناهج السردية المعاصرة، مع التركيز على مفهوم “الشعرية” بوصفه طاقة إبداعية تتجاوز الوصف الجغرافي لتصل إلى آفاق الرمزية والنفسية.

وقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي مع الاستئناس بأدوات السيميائية لفك شفرات الفضاء المكاني، وتوزعت مادة البحث على عناوين محورية؛

فقد عُنيَ منها برصد المرتكزات الجمالية للسرد، حيث تم تحليل آليات التكثيف والاختزال، وكيفية توظيف “الفجوات السردية” لتفعيل دور المتلقي، بالإضافة إلى دراسة تقنيات التبئير وتعدد الرؤى التي تمنح القصة القرآنية حيويتها

ثم انتقل البحث لاستنطاق “شعرية المكان”، مفرقًا بين أنماط الفضاءات المكانية؛ من مكان أليف يمنح السكينة والقداسة كالمحراب والوادي المقدس، ومكان معادٍ يجسد الاغتراب والضيق كالجب والسجن، موضحًا أن المكان في القرآن يمارس فعل “الأنسنة”؛ إذ يتفاعل مع الشخصية صعودًا وهبوطًا، وضيقًا واتساعًا.

وقد قدم دراسة تطبيقية مقارنة بين قصتي يوسف وموسى عليهما السلام، كشفت عن ديناميكية المكان المتحول؛ ففي قصة يوسف يتحرك الفضاء في دوائر مغلقة تقود إلى التمكين، بينما في قصة موسى يتخذ الفضاء طابعًا ملحميًا مفتوحًا (البحر، الجبل، التيه) يتشكل وفق الإرادة الإلهية لنصرة الحق. وقد خلص البحث إلى نتائج جوهرية، أهمها أن السرد القرآني يحقق وحدة “الكرونوتوب” (الزمان-المكان) ببراعة فائقة، حيث لا ينفصل الحدث عن فضاؤه الشعري، كما أثبتت الدراسة أن بلاغة المكان في القرآن تعد وجهاً من وجوه الإعجاز البياني، كونها تحول المفردات المكانية إلى دلالات قيمية وعقدية.

ويوصي البحث في ختامه بضرورة الانفتاح على الدراسات الفضائية في القرآن الكريم، واستكشاف أثر “المكان الغائب” في بناء التصور الجمالي للمتلقي، مؤكدًا أن النص القرآني سيظل مادة بكر للدراسات النقدية التي لا تقف عند حد.

مشاركة المقال

ارسل بحثك