لم يعد دخول العالم الافتراضي للترفيه فقط، بل أصبح أمراً لا بد منه لإجراء المعاملات في زمن العولمة التي لا تعترف بالحدود ولا بالقيود. ولما كان دخول الفرد الى هذا العالم يفترض تمتعه بهوية تتلاءم مع خصائص هذا العالم وتسمح له في التواصل والتفاعل مع الآخرين بشكل مباشر عبر منصات رقمية في أي وقت ومن أي مكان. لذا، باتت الهوية الرقمية ضرورة حتمية لضمان الاندماج في هذا العالم الافتراضي بطريقة آمنة.
وبما أن الهوية الرقمية ظهرت كأحد أبرز المفاهيم القانونية الناشئة التي فرضت وجودها في الوسط القانوني نظراً لأهميتها إن كان على الصعيد القانوني أو الاقتصادي أو الاجتماعي. ولما تثيره من مخاوف قانونية وأخلاقية تتمثل في إمكانية سرقتها واخفائها والتلاعب بها. من هنا، يصبح البحث في مفهومها، تبيان خصائصها ، تمييزها عن غيرها من المصطلحات، تحديد الأساس القانوني والوسائل القانونية المقررة لحمايتها محوراً أساسياً لهذه الدراسة.
تسعى هذه الدراسة الى الإجابة عن سؤال مركزي: ما مدى فعالية الوسائل القانونية المقررة في التشريعات الحالية في ضمان حماية الهوية الرقمية في العالم الافتراضي؟
من هنا، فإن نطاق هذه الدراسة يشمل الجانب الحمائي للهوية الرقمية وبالتحديد الوسائل القانونية الموضوعية المتعلقة بالبيانات الشخصية من خلال اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات GDPR وعلى الوسائل القانونية الإجرائية )كالتوقيع الالكتروني، ومحفظة الهوية الرقمية) وذلك من خلال اللوائح الأوروبية eIDAS الأولى والثانية من دون التطرق إلى قانون الأمن السيبراني الأوروبي أو ما يعرف NIS2 . وذلك لتركيزنا فقط على الحماية المباشرة لمستخدم الهوية الرقمية مع الاستشهاد بالنصوص القانونية اللبنانية ذات الصلة لاسيما قانون المعاملات الالكترونية وحماية البيانات ذات الطابع الشخصي اللبناني.
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج الوصفي لتحديد طبيعة الهوية الرقمية وخصائصها وتمييزها عن غيرها، وعلى المنهج التحليلي بغية تحليل النصوص القانونية ذات الصلة، وعلى المنهج المقارن بين التشريع الأوروبي والتشريع اللبناني للوقوف على مدى الحماية التي وفرتها هذه التشريعات للهوية الرقمية وبيان أوجه التقدم وأوجه القصور فيها.
توصلت الدراسة الى أن التشريعات الحالية تضمنت وسائل موضوعية وأخرى إجرائية تسمح في حماية الهوية الرقمية. إلا أنه وبالرغم من فعالية هذه الوسائل في حماية الهوية الرقمية إلا أن هذه الحماية تبقى مجتزأة في ظل عدم وجود تشريع خاص ينظم الهوية الرقمية بشكل متكامل
