أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايد الحضور في المعاملات والخدمات والأنشطة المهنية، وأخذت بعض أنظمته تنتقل من مجرد تنفيذ تعليمات محددة إلى تحليل البيانات واستنتاج الأنماط وإنتاج مخرجات قد يصعب التنبؤ بتفاصيلها مسبقًا. وقد أوجد ذلك تحديات دقيقة أمام قواعد المسؤولية المدنية، ولا سيما في تحديد مصدر الخطأ، وتعيين الشخص الذي يملك القدرة الفعلية على منع الضرر، وإثبات العلاقة السببية في بيئة تقنية تتوزع فيها مراحل إنشاء النظام وتشغيله بين أطراف متعددة.
يناقش هذا البحث الأساس القانوني للمسؤولية عن أضرار أنظمة الذكاء الاصطناعي، من خلال اختبار مدى صلاحية قواعد الخطأ والمسؤولية عن الأشياء والمنتجات المعيبة لاستيعاب المخاطر الخوارزمية، مع تحليل المراكز القانونية للمطور والمصمم والمنتج والمورد والمشغل والمستخدم المهني. كما يتناول البحث صعوبات الإثبات والسببية والشفافية وحفظ السجلات التقنية، ويقارن بين الإطارين العراقي واللبناني، مع الإفادة من اللائحة الأوروبية رقم 2024/1689 بوصفها نموذجًا تنظيميًا وقائيًا قائمًا على المخاطر.
وينتهي البحث إلى أن الطبيعة التقنية للذكاء الاصطناعي لا تستلزم، في الوضع القانوني الراهن، إضفاء شخصية قانونية مستقلة على النظام؛ وإنما ينبغي توجيه المسؤولية إلى الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي تتحدد لديه السيطرة القانونية أو التقنية أو الاقتصادية على مصدر الخطر. ويقترح البحث بناء مسؤولية متدرجة تجمع بين القواعد العامة للمسؤولية، ومسؤولية المنتج عن العيب، والالتزامات الوقائية والتوثيقية، مع تطوير قواعد الإثبات بما يحد من عدم التكافؤ المعلوماتي بين المتضرر والمسؤول المحتمل.
