يتناول هذا البحث واقع المدارس في مدينة القدس خلال القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي في ضوء كتاب تراجم أهل القدس للشيخ الحنفي حسن عبد اللطيف الحسيني (ت 1226هـ/1811م)، وهو مصدر مهم لتاريخ الحياة العلمية والمؤسسات التعليمية في القدس العثمانية. يبرز البحث الدور المحوري الذي أدّته المدارس في ازدهار الحركة العلمية في القدس عبر العصور الإسلامية، مع الإشارة إلى أنّ القرن الثاني عشر الهجري شهد استمرار عدد كبير من المدارس، وإن كان ذلك بفاعلية أقل مقارنة بازدهارها في العصر المملوكي.
يعرض الباحث قائمة واسعة من المدارس التي واصلت عملها أو تراجع دورها في هذه الفترة، مثل الأرغونية، والأشرفية، والأفضلية، والأمينية، والصلاحية، والطولونية، والعثمانية، وغيرها. كما يبيّن تنوّع هذه المدارس من حيث المذاهب الفقهية التي دُرّست فيها، ولا سيما المذهبين الحنفي والشافعي، إضافة إلى وجود مدارس وخانقاهات ذات طابع صوفي. ويشير البحث إلى اعتماد سجلات المحاكم الشرعية والرحلات المعاصرة كمصادر مكملة لرصد واقع هذه المؤسسات.
كما يوضح البحث أنّ كثيرًا من المدارس عانت من التراجع، أو الإهمال، أو التحول إلى مساكن في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، نتيجة ضعف الأوقاف، وتقلص الدعم الرسمي، وتغير الظروف السياسية والإدارية في العهد العثماني. ومع ذلك، ظلت بعض المدارس محافظة على دورها العلمي من خلال تعيين الشيوخ والمدرسين واستمرار الوظائف التعليمية. ويخلص البحث إلى أنّ مدارس القدس في القرن الثاني عشر الهجري شكّلت حلقة مهمة في تاريخ التعليم الإسلامي، وأسهمت في حفظ التراث العلمي والديني للمدينة رغم مظاهر التراجع
